الرئيسية / تحليلات سياسية / ميركيافيلي و ( الرايخ الرابع – رايخ الاقتصاد )
Loading...

ميركيافيلي و ( الرايخ الرابع – رايخ الاقتصاد )

ميركيافيلي و ( الرايخ الرابع – رايخ الاقتصاد )

نيكولو مكيافيلّي ( ١٤٦٩ – ١٥٢٧ ) اول مَنْ أبدع طراز السُلطة التي يمكن تشكيلها اعتماداً على اضطرابات العصر . لقد رأى ان الأزمات الشديدة التي تبث البلبلة وتأتي بتناقضات مُدمرة ، هي بمثابة تحريك للتأريخ ، أن الأزمات تؤدي إلى إقامة السُلطة ، لكنها طبقاً للظروف تؤدي ايضاً إلى انحدارها ، وهكذا تتوافق نظرية السُلطة لدى مكيافيلّي مع نظرية مجتمع أزمة العالم ؛ حيث تؤدي الكوارث المتوقعة إلى ظهور فرص ( الفرص التأريخية اسماها مكيافيلّي [ اوكازيون = occasione – يمكن ان يغتنمها موهوب بالسلطة – رجل كان او امرأة ] وهذا ما فعلته – انجيلا ميركل – تماماً ؛ حيث استغلت الفرصة التي جاءتها ، واعادت بناء علاقات السُلطة في أوربا […]

يرى الكثيرون أن انجيلا ميركل ملكة غير مُتوّجة لاوربا بأسرها ، وان السؤال عن المصدر الدقيق لسُلطة المستشارة الألمانية ، تثير التنبّه إلى سمة تُشخّص كيفية تناولها للأمور : ميلها إلى عدم تناول الامر مطلقاً ، وإلى عدم تناوله حتى الآن ، وتناوله فيما بعد – بالأحرى ميلها إلى التردد ، لقد ترددت ميركل منذ البداية فيما يتعلق بالأزمة الأوربية ، وما زالت حتى الآن مترددة ، بادئ ذي بدء لم ترغب إدخال تراجيديا الديون اليونانية في جدول اعمال اوربا السياسية ، لكنها ابت فيما بعد انقاذ اليونان ، ثم عارضت حين وجبت مساعدة اسبانيا وايطاليا […]

تتمثل خصلة تقليدية اخرى لدى المستشارة في سهولة حركة يمكن وصفها بالمكيافيلية ، أن الواجب على الامير ، كما يرى مكيافيلّي ، ان يلتزم بمبادئ الامس ، فقط إذا أصبحت في صالحه اليوم […] ، وهكذا بارزت ميركل فترة طويلة من أجل اطالة مُدة تشغيل المعمل الألماني لتحويل الطاقة الذريّة ، بينما تركت خروج الطاقة الذريّة من أوربا جانباً ، ثم بعد كارثة مفاعل ( فوكوشيما ) أنجزت الخروج من مشروع الطاقة النوويّة ، وعدم مشاركة أوربا فيه . منذ ذلك الحين اثبتت ميركل انها زعيمة ( الانقاذ في اخر لحظة ) وتقول اليوم : سندات اليورو ؟ على جثتي !

يعتمد الانجذاب السياسي بين ميركل و مكيافيلي – الذي أودّ ان أطلق عليه أسم طراز ( ميركيافيلّي ) – بوجه عام على أربع تركيبات ذوات تكامل تبادلي :

اولاً : […] أن ميركل لم تنحاز في التطاحن الشديد بين مهندسي تصميم أوربا وارثوذوكسي الحكومة الوطنية على حزب بعينه – او بالأحرى ؛ حيث أعطت نفسها الحريّة بين خيارين متضادين ، انها ليست متضامنة مع الأوربيين ( في الوطن وخارجه ) الذين يطلبون وعوداً المانية مُلزمة اخيراً ، ولا داعمة للجناح البرلماني الخاص بالمتشككين الذي يرفضون أي دعم !
هكذا تزيد ميركل الامور تعقيداً – وهذا هو الجانب الميركيافيلّي – حيث تقوم بتوفير قروض من ألمانيا للبلاد المدينة ، وكذلك بتحقيق شروط سياسة الاستقرار الألمانية ، أن اول مبداً ميركيافيلي ينص على : اينما يتعلق الامر بالمساعدات المالية للبلاد المدينة ، لا يتمثل موقفها في ( نعم ) واضحة أو ( لا ) واضحة ، بل في نعم ( نعم / لا )

ثانياً : […] تتخذ الميركيافيلّية منهجًا قائماً على التردد بوصفه تكتيك الترويض ، الوسيلة الإجبارية ليست الكر العنيف للنقد الألماني ، بل على العكس : هي الفر ذي التهديد ، والبعثرة والرفض للقروض ، اذا مُنعت المانيا عن الموافقة ، يتحتم الخراب المالي على البلاد المدينة ، اي أن – ليس هناك اسوأ من فقدان النقد الألماني ، سوى عدم فقدان النقد الالماني ( وهو شكل اخر للسلطة يتمثل في العلاقات بين الحكومات الوطنية والراس مال المتحركة ) ، […] ، لقد تم دعم ترقي المانيا إلى منصب القوة المسيطرة في أوربا ، وفي الوقت ذاته اخفاؤه ، انها الخدعة الفنية التي تجيدها ميركل ويمكن اعتماد مذكراتها التخطيطية على ما فعله ميكيافيلي ، اي ان السلطة الالمانية الان في اوربا ، لا تعتمد مثلما سبق في العصور القديمة على السلطة بوصفها الحجّة الاخيرة ( ultima ratio ) لا تحتاج المانيا الان اسلحة لإجبار البلاد الاخرى على الامتثال لرغباتها ، وبما ان الحديث عن الرايخ الرابع صار من اللامعقول ، اصبحت السُلطة القائمة على الاقتصاد اكثر مرونة ؛ غير مضطرة على شن الهجوم ، وفي الوقت ذاته متواجدة في كل مكان […]

ثالثاً : […] كلما زاد نقد الألمان لأوربا ، نتيجة شعورهم بان البلاد المدينة قد اطبقت عليهم الحصار من اجل ابتزاز كيس النقود الالماني ، تعسر انفراج ساقي الاقتصاد الالماني لكن ميركيافيلي وجدت حلاً لهذه المشكلة في ورقة اللعب الرابحة ( أوربا الالمانية ) التي توخز صاحبها احياناً اثناء اللعب ان المستشارة تُهدئ الالمان الخائفين على معاشاتهم وبيوتهم ومعجزتهم الاقتصادية ، بتطبيقها المُتسم بالصرامة الاحتجاجية لسياسة ( لا ) الملائمة وبصعودها ( مُعلمة أوربا ) كما انتبهت إلى ( المسئولية الأوربية ) في السياسة الخارجية بأن كست بلاد اليورو بسياسة تخفيف الضر ، تقول في عرضها المُجعد ( اوربا ألمانية افضل من بلاد اللايورو ! )

هكذا اثبتت ميركل بجلاء انها تلميذة لأستاذها مكيافيلي الذي تساءل في كتابه الأمير ( هل الأفضل ان يحبك الناس او يخشوك ؟ وتقول الاجابة ، إن على نفسك أن تصبو الى كلتا الحالتين ؛ لكن بما ان رفض كلتا الحالتين عليك عسير فأن يخشاك الناس افضل من أن يُحِبوك طالما ليس في الامكان سوى واحدة فقط من كلتا الحالتين ) وقد أتخذت انجيلا ميركل هذا المبدأ بمعنى اوسع ، حيث سعت الى ان يحبها اهل الوطن ويخشاها الأجانب – وربما يعود ذلك الى انها قد علمت الأجانب الخوف ، تحررية جديدة متصفة بالوحشية في الخارج ، واجماع ذو رنين اشتراكي ديموقراطي في الداخل – هذا هو نموذج النجاح الذي اعتمدت عليه ميركيافيلي دائماً في بناء سلطتها وفي سلك طريقها إلى اوربا الألمانية .

رابعاً : تُريد ميركل أن تحدد مسير المجموعة الأوربية ، بالأحرى ان تأمرهم بما هو قائم في المانيا وكأنه تعويذة سحرية في الاقتصاد والسياسة ، النداء الالماني يقول : عليكم بالتقشف ! التقشف من اجل الاستقرار ! وفي الواقع السياسي تكتشف سياسة تقشف ربة البيت الشهيرة بترهلها ثم سرعان ما يظهر النقص الدرامي المؤسف في المعاشات ، والتعليم ، والبحث العلمي ، والبنية التحتية وغيرهم ، نحن نواجه ليبراليّة جديدة متمثلة في مواثيق الخزانة العامة والدستور الأوربي – ولها تأثيرها ايضاً على جمهور اوربا ( الضعيف ) .

” للميركيافيلية اربع تركييات : ربط ارثوذكسي الحكومة الوطنية وهندسة تصميم اوربا ، وفن التردد بوصفه استراتيجية تنظيم ، واولوية الاهلية الانتخابية ، و كذلك الحضارة الالمانية الراسخة يتمثل جميعها في تكاتف قوي لبناء قوة اوربا الالمانية ”

[…] لقد أستطاع المنهج ( الميركيافيلي ) ان يفوق حدوده ، حيث لم تبرز سياسة التقشف الالمانية نجاحاً باي شكل من الاشكال – بل على العكس ؛ حيث اصبحت ازمة الديون تهدد اسبانيا وايطاليا ولربما فرنسا ايضاً ، لقد ازداد الفقراء فقراً ، وصارت الطبقة المتوسطة مهددة بالانحسار ، واختفت الاضواء في مرمى البصر داخل نفق الحياة ، وفي هذه الحالة تستطيع ( القوة ) ان تقود المسير في طريق بناء الحاضر […]

المصدر لهذا المنشور كتاب [ أوربا الألمانية – طبيعة جديدة للقوة في ظلّ الأزمة الاقتصادية ] -لمؤلفهِ ( اولريش بك ) أستاذ علم الإجتماع – جامعة لودفيغ مِكسمليان ( ميونخ ) يعتبر من أشهر عُلماء الإجتماع الألمان المعاصرين ، والحائز على جائزة [ شادر ] أعلى جائزة تُمنح في مجال علم الإجتماع في ألمانيا .

– البُعد الجيوسياسيّ للعلميات العسكريّة والمُخابراتية

عن igor

شاهد أيضاً

بالصور… معركة ستالينغراد التاريخية “محطمة آمال الجيش النازي”

من منا لا يعرف ولم يقرأ عن معركة ستالينغراد التاريخية التي حطمت آمال ألمانيا النازية …